(4) الحرمان الشريفان فى العصر الفاطمى
قبل أن نتحدث عن الرعاية الفاطمية للحجاز لابد من التذكير بواقعة شديدة الغرابة ، ذلك أن دولة القرامطة التى حاربت الدولة العباسية تمكنت فى عهد أحد قوادها وهو أبو طاهر القرمطى من الاغارة على قوافل الحجاج والفتك بها حتى امتنع الناس عن الحج ، ثم قام أبو طاهر بقلع الحجر الأسود من الكعبة المشرفة سنة (317 هـ / 929م) ، وحاولت الخلافة العباسية إغراء القرمطى بالمال لكى يرد الحجر الأسود إلى مكانه فى الكعبة فأبى أبو طاهر، ولكن عبيد الله المهدى أرسل له من المغرب يأمره برد الحجر فرده إلى مكانه بالكعبة ، وكان ذلك إيذاناً باقتراب إشراف الفاطميين على الحرميين فى الحجاز بعد فتح مصر .
لقد كان هم الفاطميين أن يُدعى لهم فى الحرمين بسبب أن أمير المؤمنين هو من كان ملكاً للحرمين ، والحقيقة أن الوضع فى الحجاز قبيل عصر الأمويين كان مرتبكاً ، فقد تحكم فى مكة أسرة علوية من نسل الحسن بن على وهم شيعة إمامية خطبوا لأنفسهم فى خلافة المقتدر العباسى ، ثم آل حكم مكة إلى الأخشيديين الذين كانوا يحكمون مصر ، أما فى المدينة المنورة فكانت أسرة علوية آخرى من نسل الحسين بن على هى التى تحكم المدينة ، وحدثت فوضى فى الحج بسبب تنازع الأسرتين بمكة والمدينة .
وجد المعز لدين الله الفاطمى الفرصة سانحة لإشاعة السلام فأرسل الأموال الطائلة لشراء ديات المقتولين من الطرفين مما مهد لعقد السلام بينهما وذلك عام (348هـ/959م) ، وقد كان من ضمن أسباب سير الفاطميين الى الشرق عزم المعز تأمين الحج ، وحينما تم لجوهر فتح مصر فى عام 358 هـ / 968 م أعلن أمير مكة الخطبة للمعز على منابرها ، ولما انتقل المعز من المغرب إلى مصر عمل على إرسال الكسوة إلى البيت ، وأصبحت عادة أن ترسل كسوة الكعبة كل عام من مصر حتى منتصف القرن العشرين .
وظلت مصر الفاطمية تحكم الحجاز حتى سقوطها ، وعندما سقطت عاد العباسيون لحكم الحجاز ، ولكن هذه المرة كان يحكمها الأيوبيون ثم المماليك الذين كانوا يحكمون باسم الخليفة العباسى الذى انتقل مقر اقامته إلى القاهرة ، وظل الأيوبيون ومن بعدهم المماليك يفرضون سيطرتهم السياسية بامتدادها الدينى .
لقد كان التنافس على حكم الحجاز مستمراً بين الأسر الحاكمة خاصة العباسية والفاطمية وذلك لتوطيد نفوذهما فى دار الإسلام ، ولكن هذا التنافس انتهى بسقوط الفاطميين ؟
كان لظهور المماليك على الساحة السياسية بعد الأيوبيين أثراً على حكم الحجاز ، لأن المماليك كانوا عبيداً قبل أن تصير السلطة إليهم ، ولأنهم بدون صفة شرعية للحكم حاولوا اضفاء هذه الشرعية بحكم الحجاز ورعاية الحرمين الشريفين ، فقام الناصر محمد بن قلاوون فعَّمر الأساطين حول المطاف فى الكعبة ، كما عمر رخام الحجر ، ثم جدد برقوق المروة وأصلح درجها . ثم عمر السلطان قايتباى المدارس التى ألحقت بالمسجد الحرام وكان يدرس فيها علماء المذاهب الأربعة ، وأكد المماليك شرعية سلطتهم بالدعاء لهم على منابر الكعبة والمسجد النبوى وفى خطبة الحج يوم عرفة .
(5) الحرمان الشريفان فى ظل العصر العثمانى :
ضعفت الدولة المملوكية فى الوقت الذى كان فيه آل عثمان الأتراك يتفوقون فى الفتح والغزو، وكان أكبر انتصار لهم هو فتح القسطنطينية عام 1453م على يد محمد العثمانى الذى لقب بالفاتح .
كان ذلك النهوض العثمانى يواكب النهوض الصفوى فى إيران ، ودخلت الدولتان فى صراع عسكرى دامى إنتهى باستتباب الصفويين فى شرق العراق ، واستتباب العثمانيين شمال الشام، ولقد غلف الطرفان الصراع بينهما على أساس طائفى ، رغم كونه صراع سياسى بحت حول النفوذ ، المهم أن سليم الأول العثمانى أدرك منذ البداية أن شرعية حكمه لن تكتمل إلا باحتلال مصر وانتزاع الخلافة من الخليفة العباسى الذى كان مجرد رجل للتشريفات ليس إلا ؛ ولن يتسنى ذلك إلا بتقويض حكم المماليك ، وتقويض هذا الحكم يمهد الطريق لفرض سيطرتهم على الحجاز مهد الإسلام للدعاء إلى الخليفة العثمانى خادم الحرمين الشريفين .
وقد تمكن العثمانيون أخيراً من احتلال مصر عام 1517 م ، وانضمت كل الأملاك المملوكية إلى خليفة آل عثمان ، وصار الحجاز ضمن هذه الأملاك العثمانية ، وصار من التقليد الرسمى الدعاء لسلطان البرين وخاقان البحرين فى الآستانة ضمن الدعاء التقليدى للخليفة العثمانى الحاكم .
لقد مثلت الدولة العثمانية المرجعية الدينية والسياسية برعايتها للأماكن المقدسة فى مكة المكرمة والمدينة المنورة ، وظلت مصر الولاية العثمانية تتولى إرسال كسوة الكعبة ، كما يقوم البناؤون والمعماريون المصريون بتوسعة الحرم المكى والمسجد النبوى وطبعاً ذلك بإشراف السلطان العثمانى ، ففى عهد السلطان سليمان القانونى فى سنة 972هـ ، جدد سطح الكعبة المشرفة وفرش المطاف وأهدى المسجد منبراً رخامياً مطعماً بالمرمر ، وأنشأ المدارس الأربع فى الجهة الشمالية كما أقام منارة عظيمة الارتفاع .
غير أن أهم عمارة فى عهد الأتراك كانت تلك التى تمت فى عهد السلطان مراد عام 984هـ ، وضعت خطة معمارية تحت إشراف أحمد بك كتخدا حيث حلت القباب محل السقف الخشبى، واقتضى الأمر إقامة العديد من الأعمدة الرخامية .
وفى عهد السلطان عبد المجيد العثمانى قرر عمل عمارة جديدة للمسجد النبوى الشريف التى بدأت سنة 1265 هـ واستغرقت نحو 13 سنة وانتهت فى سنة 1277 وفيها زيدت مساحة المسجد 1294 متراً ، فأصبحت مساحة المسجد 10303 أمتار مربعة .
وكانت تلك العمارة للمسجد النبوى من أضخم العمارات التى أجريت منذ أن أسسه الرسول صلى الله عليه وسلم وقد استخدمت القباب عوضاً عن السقف الخشبى ، وزخرفت القباب بصورة طبيعية ، وأقيمت الأعمدة الرخامية تحمل عقوداً مزينة بالزخارف الجصية ، وتحمل العقود قباب المسجد .
(6) الأبعاد السياسية العثمانية فى رعاية مكة والمدينة
ظل ديدن كل الدول التى فرضت سيطرتها على الحجاز أن تقوم بعمارة الحرمين الشريفين لكى يذكر لها المسلمون هذه الرعاية فتنال شرعية دينية تواكب وتعزز الشرعية السياسية فى حكم باقى الولايات التى تتشكل منها الدولة الحاكمة ، ولم تشذ الدولة العثمانية عن هذا التوجه الدينى لتكتسب منه الدعم السياسى ، وبالفعل فإن العمارة العثمانية فى مكة المكرمة ومدينة الرسول (ص) كانت من أكبر العمارات فى التاريخ الإسلامى عموماً ، ومع ذلك فإن الدولة العثمانية بعد أن حكمت مصر وامتد نفوذها وسيطرتها على الحجاز ثم احتدمت الحروب بينها وبين الدولة الصفوية ، كانت تلك الحروب حروباً سياسية أضفى عليها الطابع المذهبى لتخفى الأطماع السياسية ، فانتشرت الدعاية التشويهية ضد الشيعة ، ومنع شيعة إيران من الحج فى سنوات احتدام المعارك ، ولم تخفت هذه الحملة الا عندما تولى نادر شاه دولة فارس (إيران) وتحسنت الأوضاع بين الدولتين ، ولكن ظل المعيار المذهبى يفرض نفسه على السياسة العثمانية .
شيعة العراق على الأخص ظلوا متهمين من قبل الدولة العثمانية ، ذلك أنهم أكثرية أهل العراق ، ولكنهم أقلية قليلة ضمن دولة الخلافة ، فكانوا يتهمون بالموالاة لايران ، فكانوا يهاجمون أو يمنعون من الحج أثناء احتدام الصراع .
لكن ذلك خفت بعد ضعف الدولة العثمانية وبعد أن أطلق عليها رجل أوروبا المريض ، فالدولة البريطانية استطاعت أن تحتل الموانىء فى شبه الجزيرة العربية فى عدن وهرمز والكويت وأن تفرض سياستها على الدولة العثمانية حتى فيما يتعلق بالسيطرة على الحجاز نفسه خاصة أثناء بروز الدولة السعودية الأولى والتى سنتحدث عنها فى المحور الثانى .
الذى يعنينا فى ذلك أن الأهواء السياسية والطموح السلطانى بالإضافة إلى الانحيازات المذهبية كان ومايزال لها وجود فى رعاية وخدمة الحرمين الشريفين ، وهو ما رأيناه واضحاً فى كل الدول التى حكمت تلك المنطقة المقدسة .
|